Skip to main content

وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام الكعبة، أشرف بقعة على وجه الأرض، فخاطبها مخاطبة العاشق: «ما أطيبكِ وأطيب ريحك، ما أعظمكِ وأعظم حرمتك». ثم قال ما يقلب الموازين: «والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله ودمه».
لم يقل ذلك في مجلس وعظ عابر، بل قاله في أقدس مكان، ليقطع الطريق على كل من يجعل من تعظيم المقدّس ذريعةً لإهدار الإنسان. القِبلة التي نتوجه إليها خمس مرات في اليوم أقلّ حرمةً عند الله من دم امرئ واحد ومن ماله ومن كرامته.

وهنا يظهر التناقض الذي تعيشه مجتمعاتنا. نحرس الحجر ولا نحرس الإنسان. نبني القباب على القبور ونُحيط الأضرحة بالهيبة، ونمنح المؤسسات والرموز حصانةً مطلقة من النقد، ثم نستسهل متابعة شاب بتهمة كلمة قالها أو رأي عبّر عنه. تصير الإهانة المتخيَّلة لمؤسسة أخطرَ من الإهانة الواقعية لكرامة مواطن.

والقاعدة التي يمكن استخلاصها من الحديث بسيطة: ما لا حياة له لا يُقدَّم على ما فيه حياة. المؤسسات وُجدت لخدمة الناس، لا ليُقدَّم الناس قرابين لصون هيبتها. والهيبة التي تحتاج إلى سجن لتحمي نفسها ليست هيبة، بل خوف؛ والخوف لا يُنتج ولاءً، بل يُنتج نفاقاً.
ولا يتقدّم بلدٌ يجعل نقد المسؤول أخطر من الفقر، والكلمة أخطر من الرشوة، ورأي مغنٍّ أو مدوّن أخطر من هدر المال العام. الأمم التي نهضت لم تنهض لأنها أسكتت أصواتها، بل لأنها اعتبرت الإنسان — دمه وماله وكرامته — هو الخط الأحمر الوحيد الذي لا يُتجاوز. وذلك بالضبط ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسّخه ونحن نطوف حول أطهر بيت في الأرض.

فإذا كانت الكعبة نفسها أقل حرمةً من المؤمن، فأيّ مؤسسة أو رمز أو ضريح يمكن أن يكون أعظم منه؟
#freeblackwind
#FreeKolchi

Leave a Reply

Close Menu
Free Palestine 🇵🇸 Stop the Genocide

About Salient

The Castle
Unit 345
2500 Castle Dr
Manhattan, NY

T: +216 (0)40 3629 4753
E: hello@themenectar.com